الرد على الشبهة: إن النظام الإسلامى كلٌ متكامل ، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمهاإلا أن ينظر فى طبيعة النظام وأصوله ومبادئه ، كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيهللتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملاً ويعمل به جملة واحدة هذا بصفة عامة. أما بالنسبة لحد السرقة: فإن الإسلام يقرر حق كل فرد فى الحياة وحقه فى كل الوسائل لحفظ حياته ، ومن حق كلإنسان أن يحصل على هذه الوسائل: أولاً عن طريق العمل مادام قادراً على العمل ، فإن لم يستطع أن يحصِّـل أسبابالحياة فعلى المجتمع المسلم أن يوفر له ما يحفظ حياته أولاً من النفقة التى تفرض لهشرعاً على القادرين فى أسرته. ثانياً على القادرين من أهل محلته. ثالثاً من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له فى الزكاة فى نظام تكافلى للرعايةالاجتماعية والأمن الاجتماعى. والإسلام كذلك يتشدد فى تحديد وسائل جمع المال فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلاعلى حلال ، ومن ثم لا تثير الملكية الفردية فى المجتمع المسلم أحقاد الذين لايملكون حيث يمكن لكل أحد أن يصبح غنيًّا بالوسائل المشروعة المتاحة والسوقالتنافسية الشريفة. والإسلام يربى ضمائر الناس وأخلاقهم ، فيجعل تفكيرهم يتجه إلىالعمل والكسب لا إلى السرقة ، وبذلك يحفظ مصالح الفرد والمجتمع معاً. إذن فلماذا يسرق السارق فى ظل هذا النظام ؟ إنه لا يسرق إلا للطمع فى الثراء من غير طريق العمل ، والثراء لا يطلب من هذا الوجهالذى يروع الجماعة المسلمة فى دار الإسلام ، ويحرمها الطمأنينة التى من حقها أنتستمتع بها ، ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال. فإذا سرق إنسان بعد هذا فإنه لا يسرق وله عذر ، ولا ينبغى لأحد أن يرأف به متى ثبتعليه الجريمة وأحيل أمره إلى النظام. ونفس الإنسان فطرت على حب المال ولعل هذا هو الذى يدفع معظم الناس إلى العمل والكد. والإسلام دائماً يقوّم دوافع النفس حتى تنضبط إما بالترغيب أو بالترهيب. من هنا حضالإسلام على الكسب الحلال ورغّب فيه ورهّب من السرقة بهذه العقوبة ، حتى يستقيمالمجتمع بما فيه من بار وفاجر. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم [إن الله ليدعبالسلطان ما لا يدع بالقرآن]. ولما كان قطع يد السارق يفضحه ويسمه بسمة السرقة ويطلع الناس على ما كان منه. فقدأقام الإسلام حراسة على من يتهم بالسرقة ، فلا تقطع يده مع وجود شبهة فى أنه سرقكما لا تقطع يده فى الشىء المسروق إذا كان تافهاً لا يعتد به ، أو كان فى غير حرزبل إن السارق فى تلك الحالة يعزر بالضرب أو الحبس ، ولا تقطع يده. ومن تلك الضوابط التى وضعتها الشريعة لإقامة حد القطع على السارق: أولاً: أن يكون المسروق شيئاً ذا قيمة أى أن له اعتباراً اقتصاديٍّا فى حياة الناس. عن السيدة عائشة ـ رضى الله عنها ـ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ تقطعاليد ـ أى يد السارق ـ بربع دينار فصاعداً ] (1). ثانياً: أن يكون المسروق محروزاً ، أى محفوظاً فى حرز. ثالثاً: أن ما أخذ للأكل بالفم من التمر فهذا لا قطع فيه ولا تعزير. رابعاً: السرقة فى أوقات المجاعات لا قطع فيها ولذلك أبطل عمر ـ رضى الله عنه ـالقطع فى عام الرمادة حينما عمت المجاعة. خامساً: العبد إذا سرق شىء ينظر هل سيده يطعمه أم لا ؟ فإن كان لا ، غرم سيده ضعفثمن المسروق كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ فى غلمان ابن حاطب بنأبى بلتعة حينما سرقوا ناقة رجل من مزينة فقد أمر بقطعهم ولكن حين تبين له أن سيدهميجيعهم درأ عنهم الحد وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديباً له. والقاعدة أن الحدود تُدْرَء بالشبهات. وهكذا ينبغى أن تفهم حدود الإسلام فى ظل نظامه المتكامل الذى يتخذ أسباب الوقايةقبل أن يتخذ أسباب العقوبة. فالحدود تمنع من وقوع الجريمة ولذلك نرى على مر التاريخ الإسلامى وعلى مساحة واسعةمن بلاد المسلمين أن حد السرقة لم يطبق إلا فى أضيق الحدود وبعدد محدود جداً لايتجاوز العشرات مع كل هذه الملايين من البشر حيث استقر فى وجدان المسلمين أن السرقةجريمة من الجرائم السيئة التى تهدد الأمن الاجتماعى والمجتمع فى ذاته بحيث تستحقمثل هذه العقوبة البدنية التى تشبه عقوبة الإعدام وعلى قدر عظم الذنب والجرم يكونعظم العقاب. وبعض المعاصرين ينطلقون من نموذج معرفى آخر يقدم بدن الإنسان فى ذاته بغض النظر عنأفعاله وجرائمه. وقد خفى عليهم كل هدى سليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلىالعظيم.